ابن قيم الجوزية
210
تفسير القرآن الكريم ( التفسير القيم )
بفتح أوله - لنفس الفعل . ولا ريب أن الجسم أقوى من العرض ، فأعطوا الحركة القوية للقوي ، والضعيفة للضعيف ، وهو مثل قولهم « نهب ، ونهب » بالكسر للمنهوب وبالفتح للفعل . وكقولهم « ملء ، وملء » بالكسر ، لما يملأ الشيء ، وبالفتح للمصدر ، الذي هو الفعل . وكقولهم « حمل ، وحمل » فبالكسر لما كان قويا مثقلا لحامله على ظهره أو رأسه ، أو غيرهما من أعضائه ، و « الحمل » بالفتح ، لما كان خفيفا غير مثقل ، كحمل الحيوان ، وحمل الشجرة به أشبه ، ففتحوه . وتأمل هذا في « الحبّ والحبّ » فجعلوا المكسور الأول لنفس المحبوب ، ومضمومه للمصدر ، إيذانا بخفة المحبوب على قلوبهم ، ولطف موقعه من أنفسهم وحلاوته عندهم ، وثقل حمل الحب ولزومه ، كما يلزم الغريم غريمه ، ولهذا يسمى غراما . ولهذا كثر وصفهم تحمله بالشدة والصعوبة ، وإخبارهم بأن أعظم المخلوقات وأشدها من الصخر والحديد ونحوهما لو حمله لذاب من حمله ، ولم يستقل به . كما هو كثير في أشعار المتقدمين والمتأخرين وكلامهم . فكان الأحسن : أن يعطوا المصدر هنا الحركة القوية ، والمحبوب الحركة التي هي أخف منها . ومن هذا : قولهم « قبض » بسكون وسطه للفعل ، و « قبض » بتحريكه للمقبوض . والحركة أقوى من السكون والمقبوض أقوى من المصدر . ونظيره : « سبق » بالسكون للفعل ، و « سبق » بالفتح : للمال المأخوذ في هذا العقد . وتأمل قولهم « دار ، دورانا » و « فارت القدر ، فورانا » و « وغلت ، غليانا » كيف تابعوا بين الحركات في هذه المصادر لتتابع حركة المسمى . فطابق اللفظ المعنى . وتأمل قولهم « حجر » و « هواء » كيف وضعوا للمعنى الثقيل الشديد